الياس شوفاني
136
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
ج ) حكم الولاة الرومان بعد عزل أرخيلاوس ابن هيرودوس ( 6 م ) ، أصبحت فلسطين مقاطعة رومانية ، جزءا من ولاية سورية ، التي لم تكن ولاية عادية . فحاكمها كان المسؤول الأول في الشرق ، نظرا إلى أهميتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية . وزاد في أهمية حاكمها أنه قاد المواجهة المستمرة مع الفرثيين . وحاكم المقاطعة ( فلسطين ) ، الذي كان يعيّنه الإمبراطور ، ويحمل لقب « بروكيوراتور » ، كان يدير شؤون البلاد الأمنية والقضائية والمالية ، ويستند إلى حاكم سورية في الدعم العسكري عند الحاجة . أمّا الشؤون الدينية لليهود فقد أودعت في يد الكاهن الأكبر ، ومعه مجلس من الحاخامات - سنهدرين . وفي المدن الأخرى ما عدا أورشليم ، لم تكن هناك مشكلة ، إذ كانت تتمتع بحكم ذاتي يتولى المسائل المدنية ، وخصوصا أن أغلبية سكانها كانت من غير اليهود ، أو من اليهود ذوي النزعة للاندماج في الثقافة اليونانية - الرومانية . ويبدو أن الحكام الأولين في فلسطين رأوا دورهم الرئيسي إداريا - اقتصاديا ، ولم يحتفظوا بقوات عسكرية رومانية نظامية ( لجيون ) ، واكتفوا بتشكيل نوع من « الميليشيا » ( أوكسيليا ) . وتفيد المصادر أنهم لم يتدخلوا في شؤون اليهود الدينية ، ولم يحاولوا إجبارهم على إقامة الطقوس الرومانية السارية في جميع أنحاء الإمبراطورية . وفي أيام جايوس كاليغولا ( 37 - 41 م ) ، الذي آمن بألوهيته ، طلب من رعاياه جميعهم تكريما إلهيا . وعندما أقام سكان يبنى مذبحا للقيصر ، هدمه اليهود من سكان المدينة ، فأمر القيصر بإقامة تمثال له في هيكل أورشليم . وتوتر الوضع ، وبتدخل من حاكم سورية ، بترونيوس ، تمّ تلافي سفك الدماء . وبعد موت القيصر ، تمّ إلغاء الأمر ، وخلفه كلوديوس عيّن أغريبا ، حفيد هيرودوس ، ملكا على يهودا حتى سنة 44 م . وعندما مات الملك ، أعيدت يهودا مقاطعة تابعة لولاية سورية . وبعد موت أغريبا ، أخذت العلاقات بين اليهود والحكام الرومان تسوء ، وكذلك علاقاتهم بالسكان غير اليهود ، كما حدث في قيساريا ، إذ طلب اليهود امتيازات خاصة ، لأن هيرودوس ، ملكهم ، هو الذي بنى المدينة . فأصدر الإمبراطور أمرا يخرج اليهود من عداد السكان ذوي الحقوق المدنية فيها . وشهدت هذه الفترة ( 52 - 60 م ) توترا متزايدا مع الحاكم الروماني ، فيلكس الذي رفض تعيين الكاهن الأكبر ، يوناتان بن عنان حاكما . وفي أيام فلوريوس ( 64 - 66 م ) تفاقم الوضع وعمّت الفوضى . ففضلا عن بروز ظاهرة أدعياء النبوة ، وأصحاب الرؤى ، فقد ساء الوضع الأمني . فلا السلطات الرومانية ، ولا المؤسسات اليهودية صاحبة الحكم الذاتي ،